في الليالي الصافية يمكن رؤية أليانز أرينا من قمم جبال النمسا، على بعد نحو 80 كيلومترًا. المبنى كله مغلّف بوسائد هوائية مضاءة تتغير ألوانها حسب الفريق الذي يلعب، وهو أول ملعب في العالم بواجهة كاملة قابلة لتغيير اللون. لكن هذه الواجهة تسببت أيضًا في مشكلة لم يتوقعها أحد: حوادث سير على الطريق السريع المجاور بسبب انشغال السائقين بالنظر إليها. هذه المقالة تشرح أليانز أرينا في ميونخ: سعته وتاريخه وتصميمه، وكيف صار أشهر واجهة معمارية في كرة القدم.
الموقع والوصول
يقع الملعب في منطقة فروتمانينغ شمال ميونخ، على مقربة من الطريق السريع A9، وتخدمه محطة مترو تحمل اسم المنطقة وتقف على بعد دقائق سيرًا من البوابات.
عنوان الملعب نفسه يحمل دلالة: ساحة فرانتس بيكنباور، تكريمًا للاعب والمدرب والإداري الذي وضع حجر الأساس للمبنى في أكتوبر 2002 حين كان رئيسًا لبايرن ميونخ.
وإلى جانب الملعب يقع أحد أكبر مجمعات مواقف السيارات في أوروبا، بطاقة تقارب عشرة آلاف مكان موزعة على مبانٍ متعددة الطوابق، وهو ما يجعل الوصول بالسيارة ممكنًا رغم ضخامة الحشود.
السعة: رقمان مختلفان
تبلغ سعة أليانز أرينا نحو 75 ألف متفرج في مباريات الدوري الألماني، و70 ألفًا في المباريات الدولية والأوروبية.
سبب الفارق هو الوقوف. ففي الدوري المحلي تشمل السعة نحو 15,794 مكان وقوف إلى جانب المقاعد، بينما تُحوّل هذه المساحات إلى مقاعد في مباريات الاتحاد الأوروبي التي تمنع الوقوف.
وتفصيل السعة في المباريات المحلية يوضح تركيبة الجمهور: نحو 55,710 مقعدًا عاديًا، و15,794 مكان وقوف، و2,152 مقعد أعمال، و1,374 مقعدًا داخل الأجنحة الخاصة، إضافة إلى مقاعد الرعاة وكبار الشخصيات.
من 66 ألفًا إلى 75 ألفًا
لم تكن هذه السعة هي الأصلية. فُتح الملعب عام 2005 بسعة تقارب 66 ألفًا، ثم ارتفعت تدريجيًا عبر سلسلة من التعديلات الداخلية: نحو 69,900 بعد 2006، ثم 71,137، ثم 71,437، قبل أن تصل إلى نحو 75 ألفًا في السنوات الأخيرة.
اللافت أن هذه الزيادة لم تتطلب بناء مدرج جديد. تحققت عبر إعادة تنظيم المساحات الداخلية وتحويل بعض المقاعد إلى أماكن وقوف، وهو خيار غير متاح في إنجلترا أو إسبانيا حيث يُمنع الوقوف في الدرجات العليا.
الواجهة: 2,760 وسادة هوائية
الواجهة هي ما جعل الملعب أيقونة معمارية. تتكون من آلاف الوسائد المصنوعة من غشاء ETFE، منفوخة دائمًا بهواء جاف تحت ضغط ثابت.
شكل الوسائد معيّن الأضلاع، في إشارة إلى الزخارف الموجودة في الرموز البافارية وشعار بايرن ميونخ. والغشاء ذاتي التنظيف ومقاوم للحريق وعازل للحرارة، وسماكته لا تتجاوز 0.2 مليمتر.
من بعيد تبدو الوسائد بيضاء، لكن الاقتراب منها يكشف أنها شبه شفافة. وعند الإضاءة تتحول الواجهة إلى مساحة ضوئية تبلغ نحو 26 ألف متر مربع، أي ما يعادل ثلاثة ملاعب كرة قدم ونصف.
من ثلاثة ألوان إلى 16 مليونًا
في النظام الأصلي كانت الإضاءة تنتج ثلاثة ألوان فقط: الأحمر لبايرن، والأزرق لنادي 1860 ميونخ الذي تقاسم الملعب حتى 2017، والأبيض للمنتخب الألماني وللمباريات المحايدة مثل نهائي دوري أبطال أوروبا 2012.
في أكتوبر 2014 بدأ تركيب نظام إضاءة LED جديد استغرق نحو مئة يوم، وحوّل الملعب إلى أكبر منشأة رياضية في أوروبا بإضاءة خارجية محيطة ديناميكية. النظام الجديد قادر على إنتاج ما يصل إلى 16 مليون لون، ويضيء أكثر من 1,500 وسادة من أصل 2,760.
لكن الاستخدام الفعلي أضيق من الإمكانات بكثير، بطلب من شرطة ميونخ. فالتغييرات اللونية المتحركة تسببت في وقوع حوادث سير على الطريق السريع المجاور بسبب انشغال السائقين، ولهذا تُعتمد في العادة إضاءة بلون واحد ثابت.
كيف وُلد الملعب
قبل 2005 كان بايرن ميونخ يلعب في الملعب الأولمبي بالمدينة، وهو مبنى شهير معماريًا لكنه صُمم لدورة ألعاب أولمبية لا لكرة القدم، بمضمار يفصل الجمهور عن أرضية اللعب وسقف لا يغطي جميع المدرجات.
طُرحت فكرة تجديد الملعب الأولمبي وتوسعته، لكنها رُفضت، وصوّت سكان ميونخ لصالح بناء ملعب جديد بالكامل في استفتاء محلي عام 2001.
بدأ البناء عام 2003 واكتمل في أبريل 2005، بتكلفة بلغت نحو 340 مليون يورو. وتولى التصميم المكتب السويسري هيرتسوغ ودي مورون بالتعاون مع شركة الهندسة أروب، وافتُتح الملعب رسميًا في 30 مايو 2005.
التصميم الداخلي
على عكس الملعب الأولمبي، بُني أليانز أرينا لكرة القدم فقط. لا يوجد مضمار، ولا مساحات مفتوحة عند الزوايا، والمدرجات موزعة على ثلاث طبقات شديدة الانحدار تقترب من أرضية اللعب.
السقف يغطي المدرجات بالكامل، وتوجد تحته ستائر قابلة للطي تتحكم في كمية الضوء الداخل إلى الملعب. أما أرضية اللعب فبأبعاد 105 في 68 مترًا، وقد استُبدلت بأرضية هجينة في 2023.
وبعد رحيل نادي 1860 ميونخ عام 2017، صار بايرن يستخدم الملعب وحده، فاستبدل المقاعد الرمادية المحايدة بمقاعد بألوان النادي الأحمر والأبيض، وهو تغيير بسيط غيّر شكل المبنى من الداخل تمامًا.
البيئة والاستدامة
من الجوانب الأقل شهرة في المشروع أن غشاء الواجهة يؤدي وظيفة عملية لا جمالية فقط. فهو عازل للحرارة، ويقلل الحاجة إلى تدفئة المساحات الداخلية في شتاء بافاريا القاسي.
كما أن خاصية التنظيف الذاتي في الغشاء تقلل تكاليف الصيانة في مبنى تبلغ مساحة واجهته عشرات الآلاف من الأمتار المربعة، وهي بند يستهلك ميزانيات ضخمة في الملاعب الزجاجية أو المعدنية.
أما تكلفة تشغيل الإضاءة نفسها فمنخفضة نسبيًا مقارنة بحجم الأثر البصري، خصوصًا بعد التحول إلى نظام LED الذي يستهلك طاقة أقل بكثير من النظام القديم.
الملعب في المباريات الأوروبية
في بطولات الاتحاد الأوروبي لا يظهر الملعب باسمه التجاري، بل باسم "ملعب ميونخ لكرة القدم"، لأن اللوائح تمنع استخدام أسماء الرعاة غير الرسميين للبطولة.
وقد استضاف الملعب مناسبات دولية كبرى منذ افتتاحه، من بينها مباراة افتتاح كأس العالم 2006، ونهائي دوري أبطال أوروبا 2012، ومباريات في بطولة أمم أوروبا 2024، ثم نهائي دوري أبطال أوروبا 2025.
ملعب لا يعرف المقاعد الفارغة
الرقم الأكثر دلالة عن هذا الملعب ليس سعته بل نسبة إشغاله: كل مباريات بايرن في الدوري الألماني بيعت تذاكرها بالكامل منذ يناير 2007.
هذا يعني ما يقارب عشرين عامًا متصلة من المباريات الممتلئة، وهو سجل لا تملكه أندية كثيرة في أوروبا. ويأتي بايرن في صدارة القارة من حيث متوسط الحضور إلى جانب بوروسيا دورتموند.
والسبب في جزء منه يعود إلى النموذج الألماني نفسه: أسعار تذاكر أقل من نظيرتها الإنجليزية، ووجود أماكن وقوف رخيصة، وقاعدة أعضاء ضخمة داخل النادي.
الأجواء والنقد الموجّه إليها
رغم امتلاء الملعب دائمًا، يواجه أليانز أرينا نقدًا متكررًا من جمهوره بأن أجواءه أهدأ مما تليق بناد بهذا الحجم، خصوصًا في مباريات الدوري أمام الفرق الصغيرة.
التفسير المتداول أن نسبة الحضور السياحي مرتفعة في ملعب يمثل أحد أشهر معالم ميونخ، وأن الطبقات الثلاث تفصل الجمهور بصريًا وصوتيًا مقارنة بالمدرج الواحد الكبير في دورتموند.
ويبقى مدرج الجنوب هو قلب التشجيع، إذ تتمركز فيه المجموعات المنظمة وأماكن الوقوف، وهو ما يجعل الفارق واضحًا بين جهة وأخرى داخل المبنى نفسه.
أرقام سريعة عن أليانز أرينا
سنة الافتتاح: 2005
السعة المحلية: نحو 75 ألف متفرج
السعة الأوروبية: 70 ألفًا
التكلفة: نحو 340 مليون يورو
المصممون: هيرتسوغ ودي مورون مع أروب
عدد وسائد الواجهة: نحو 2,760 وسادة
المساحة المضاءة: نحو 26 ألف متر مربع
أجنحة الضيافة: 106
الوصول في أيام المباريات
تعتمد حركة 75 ألف متفرج على المترو أساسًا. محطة فروتمانينغ تقع على خط يربط الملعب بوسط ميونخ مباشرة، وتعمل بكثافة قبل المباراة وبعدها.
ومثل بقية الملاعب الألمانية، تعمل تذكرة المباراة في كثير من الحالات كتذكرة نقل عام في المنطقة، وهو ترتيب يقلل الاعتماد على السيارات رغم ضخامة مواقفها.
وينصح الزوار عادة بالوصول مبكرًا بساعة على الأقل، لأن المسار من المحطة إلى البوابات يمر عبر جسر مشاة طويل يتحول إلى حشد كثيف قبل انطلاق المباريات الكبرى.
الأثر على تصميم الملاعب
نموذج الواجهة المضيئة انتقل بعد ذلك إلى ملاعب أخرى حول العالم. أشهر الأمثلة ملعب أميركي في نيوجيرزي يتقاسمه فريقان ويضيء بلونين مختلفين حسب المستضيف، وهي الفكرة نفسها التي طبّقها أليانز أرينا قبله بسنوات.
والتأثير مستمر حتى اليوم. فقد تسربت تصورات لمشروع ملعب جديد يدرسه نادٍ إنجليزي، ووُصفت بأنها مستوحاة من أليانز أرينا بواجهته المضيئة.
ما يفسّر هذا التأثير أن الفكرة تحل مشكلة تجارية لا معمارية فقط: الملعب المضيء يصبح علامة بصرية للمدينة، ويظهر في الصور الجوية ونشرات الأخبار، ويعمل كإعلان دائم عن النادي والراعي معًا.
لماذا لم يبنِ بايرن ملعبًا أكبر
مع بيع كل التذاكر في كل مباراة منذ قرابة عشرين عامًا، يتكرر سؤال التوسعة في ميونخ كما يتكرر في لندن ومدريد.
القيد هنا مختلف عن غيره. الملعب حديث نسبيًا ومصمم كوحدة بصرية مغلقة، وأي إضافة لطبقة رابعة تعني التدخل في الواجهة الغشائية نفسها، وهي العنصر الذي يمنح المبنى قيمته المعمارية والتجارية.
لذلك اتجه النادي إلى الزيادات التدريجية الداخلية بدل التوسعة الهيكلية، وهو ما رفع السعة بنحو تسعة آلاف مقعد عبر سنوات دون تغيير شكل المبنى من الخارج.
الزيارة والمتحف
يضم المبنى متحف بايرن ميونخ الذي يعرض تاريخ النادي وكؤوسه، إلى جانب جولات داخل الملعب تشمل غرف الملابس والنفق ومنطقة الصحافة.
والمتحف نفسه يخضع لأعمال تطوير ضمن تحديثات مستمرة في الملعب، بالتوازي مع تجهيزات كل موسم جديد.
ويُنصح بالحجز المسبق، خصوصًا في أشهر الصيف، إذ يمثل الملعب أحد أكثر المعالم زيارة في ميونخ بعد معالمها التاريخية التقليدية.
0 تعليقات